الشنقيطي

122

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها * لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن فالتجارة هنا معاملة مع اللّه إيمانا باللّه وبرسوله وجهاد بالمال والنفس ، والعمل الصالح ، كما قيل أيضا : فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا * فإنما الربح والخسران في العمل وفي آية إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى [ التوبة : 111 ] تقديم بشرى خفية لطيفة بالنصر لمن جاهد في سبيل اللّه وهي تقديم قوله : فَيَقْتُلُونَ بالبناء للفاعل أي فيقتلون عدوهم وَيَقْتُلُونَ * بالبناء للمجهول ، لأن التقديم هنا يشعر بأنهم يقتلون العدو قبل أن يقتلهم ويصيبون منه قبل أن يصيب منهم ، ومثل هذا يكون في موقف القوة والنصر ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ [ 14 ] . في هذه الآية أيضا إشعار المسلمين بالنصر في قوله تعالى : فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ ( 14 ) [ الصف : 14 ] ولكن لم يبين فيها هل كانوا أنصار اللّه كما كان الحواريون أنصار اللّه أم لا ؟ وقد جاء ما يدل على أنهم بالفعل أنصار اللّه كما تقدم في سورة الحشر في قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الحشر : 8 ] . وكذلك الأنصار في قوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [ التوبة : 100 ] وكقوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [ الفتح : 29 ] فأشداء على الكفار هو معنى ينصرون اللّه ورسوله ، ثم جاء المثل المضروب لهم بالتآزر والتعاون في قوله تعالى : وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ الفتح : 29 ] فسماهم أنصارا ، وبين نصرتهم سواء من المهاجرين والأنصار رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين . والعلم عند اللّه تعالى .